العبيد الجُدد: عندما يُصبح المعلمون والأكاديميون سلعة في سوق نخاسة العصر الحديث

يمنات
فؤاد محمد
مقدمة
في مشهدٍ يذكّر بأحط فترات التاريخ الإنساني، حيث كان الإنسان يُباع ويُشترى في أسواق النخاسة، ها نحن اليوم نشهد ولادة شكل جديد من أشكال العبودية في القرن الحادي والعشرين. ليست عبودية الجسد هذه المرة، بل عبودية الكفاءات، واستباحة حقوق النخب الفكرية، وإهانة منارات العلم والمعرفة. تجديد العمل بالقانون الأخير بتحديد صرف رواتب المعلمين والأكاديميين بنصف راتب شهرياً ليس مجرد إجراء مالي عابر، بل هو إعلان صريح يؤكد مرة أخرى تحويلهم إلى فئة مستباحة الحقوق، أشبه ما تكون بالعبيد في سوق النخاسة الحديث.
تشريع الظلم – عندما يصبح القانون أداة قمع
لطالما مثّل القانون حصناً للعدالة ودرعاً للضعفاء، لكن ما نشهده اليوم في اليمن هو تحوّل القانون إلى أداة لترسيخ الظلم وتكريس التمييز. قانون الآلية الاستثنائية المؤقتة الذي تم الترويج له كحل سحري لأزمة الرواتب، كشف عن وجهه القبيح عندما تحول إلى أداة لتقسيم المجتمع الوظيفي وتفتيته.
تآكل مبدأ المساواة أمام القانون
المبدأ الدستوري الأساسي الذي ينص على أن “المواطنين جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات” تم إعدامه بشكل عملي من خلال هذا القانون المجحف. فكيف يمكن تبرير تقسيم الموظفين إلى فئات مختلفة في استحقاقاتهم المالية؟ وأي منطق يحكم حرمان فئة كاملة من المعلمين والأكاديميين من نصف راتبهم؟
التضليل المؤسسي المنظم
لقد تم تسويق هذا القانون للرأي العام على أنه “حل استثنائي مؤقت” لأزمة اقتصادية طارئة، لكن الممارسة العملية كشفت أنه تحول إلى سياسة دائمة لتقليص الحقوق. هذا النمط من التضليل المنظم لا يختلف في جوهره عن أساليب الاستبداد التقليدية التي تقدم السمّ في طبق من ذهب.
معلمو الأمة… عبيد العصر الحديث
المعلم ليس موظفاً عادياً، بل هو حامل رسالة ومهندس عقول وأب روحي للأجيال. تاريخياً، كانت المجتمعات تحفظ للمعلم مكانته وتصون كرامته. أما اليوم، فبات المعلم في اليمن أشبه بالعبد الذي يُمنّ عليه بما تبقى من ميزانية الدولة بعد إشباع نهم الطبقة الحاكمة والموالين لها.
العبودية الاقتصادية الجديدة
العبودية التقليدية كانت تستعبد الجسد، أما العبودية الحديثة فتستعبد الوجود كله. عندما يُحرم المعلم من حقه في عيش كريم، ويُجبر على العوز والفاقة، فإنه يفقد استقلاليته الفكرية وقدرته على الإبداع. معلم وأكاديمي جائع لا يمكنه أن يعلّم جيلاً كاملاً كيف يبني وطناً.
تدمير المستقبل عبر تهميش الحاضر
الأمم التي تريد التقدم تبدأ بتمكين معلميها، والأمم التي تريد التخلف تبدأ بإذلالهم. القانون الحالي ليس مجرد ظرف مالي عابر، بل هو ضربة قاصمة لمستقبل التعليم، وبالتالي لمستقبل الوطن بأكمله. كيف يمكن لمتعلم أن يحترم العلم وهو يرى معلمه يُهان ويُحقر؟
التقسيم الطبقي المقنّع
فئتان بنصف راتب… وفئة ثالثة بمرتب ونصف في السنة!
المذهل في هذا القانون ليس فقط ظلمه، بل وقاحته في إعلان التمييز بشكل صريح. تقسيم الموظفين إلى ثلاث فئات متفاوتة في الحقوق هو إعادة إنتاج للطبقات الاجتماعية البائدة التي كانت سائدة في العصور الوسطى.
معايير التمييز: الولاء أم الكفاءة؟
السؤال المهم الذي يفرض نفسه: ما هي المعايير التي تم على أساسها هذا التقسيم؟ إذا كانت المعايير مهنية وكفائية، فلماذا تُحرم الفئة الأكثر تعليماً وتأهيلاً؟ وإن كانت معايير سياسية وولائية، فهذا يعني تحويل المؤسسات التعليمية إلى بؤر للمحسوبية والفساد.
التداعيات الكارثية
هجرة العقول والخبرات
لا يمكن لنخبة علمية أن تبقى في بلد لا يحفظ لها كرامتها. القانون الحالي سيسرّع من هجرة الكفاءات العلمية والأكاديمية، وسيُحوّل الجامعات والمدارس إلى هياكل فارغة من مضمونها.
انهيار جودة التعليم
المعلم والأكاديمي القلق على لقمة عيشه لا يمكنه أن يقدم تعليماً متميزاً. التعليم الجيد يحتاج إلى معلم مطمئن نفسياً ومستقر مادياً. تحويل المعلم إلى متسول ينتظر نصف راتبه هو وصفة أكيدة لانهيار النظام التعليمي بكامله.
التفكك الاجتماعي
عندما تهمش الدولة نخبتها الفكرية، فإنها ترسل رسالة واضحة للمجتمع بأن العلم والمعرفة لا قيمة لهما. هذا سيقود حتماً إلى تفكك النسيج الاجتماعي وانهيار القيم، وسيخلق جيلاً لا يحترم المعرفة ولا يقدر التعليم.
التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة… شعارات العدالة الخارجية… وممارسات الظلم الداخلي
المفارقة المأساوية تكمن في أن السلطة التي ترفع شعارات نصرة المظلومين في الخارج، هي نفسها التي تمارس أشد أنواع الظلم على موظفيها في الداخل. هذا التناقض ليس أخلاقياً فحسب، بل هو سياسي بامتياز، إذ يكشف عن ازدواجية في المعايير وانفصام في الشخصية المؤسسية.
التضحية بالداخل لخدمة الخارج
يبدو واضحاً أن الأولوية في السياسات المالية هي للقضايا الخارجية على حساب المعاناة الداخلية. ففي الوقت الذي تُخصّص فيه ميزانيات ضخمة للدعاية السياسية، يُحرم المعلمون من أبسط حقوقهم. هذه أولويات معكوسة تعكس خللاً عميقاً في الرؤية السياسية.
المطالب العاجلة والحلول الممكنة
– إلغاء قانون التمييز في صرف الرواتب فورا وصرف رواتب المعلمين والأكاديميين كاملة.
– صرف جميع المستحقات المتأخرة للمعلمين والأكاديميين.
. اعتماد سياسة واضحة وشفافة لصرف الرواتب.
– إعادة هيكلة النظام المالي للدولة ليكون أكثر عدالة وشفافية.
– تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للتحقيق في القانون المجحف.
– محاسبة جميع المسؤولين عن انتهاك حقوق الموظفين.
· تعويض المتضررين من القانون الظالم.
رسالة إلى المعلمين والأكاديميين
أيها المعلمون والأكاديميون الأفاضل،
أنتم لستم ضحايا ظرف عابر، بل أنتم صانعو المستقبل ومهندسو الوعي. صمتكم اليوم سيكون إقراراً بالظلم، ومشاركة في تكريسه. الحقوق لا توهب، بل تُنتزع انتزاعاً. وحدتكم هي سلاحكم الأقوى، وكلمتكم الموحدة هي درعكم الحصين.
لا تسمحوا لأحد أن يهين رسالتكم النبيلة، ولا تتنازلوا عن ذرة من كرامتكم